حبيب الله الهاشمي الخوئي

10

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

إذا عرفت ذلك فأقول : قد ظهر لك في شرح الخطبة المأة والثامنة والثمانين أنّ حقيقة المهاجرة هو الهجرة إلى حضور الحجّة لمعرفته والعلم بوجوب اطاعته وامتثال أحكامه ، وعلى هذا فمقصوده عليه السّلام بقوله : صرتم بعد الهجرة أعرابا ، توبيخهم على أنّهم بعد ما كانوا عارفين به وبمقامه عليه السّلام ووجوب طاعته وعالمين بأحكام الشرع وآدابه ووظايف الاسلام كما هو شأن المهاجر ، قد تركوا ذلك كلَّه وصاروا مثل الأعراب الَّذين لا يعرفون إلَّا ظاهر الاسلام كما قال عزّ وجلّ * ( « الأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً ونِفاقاً وأَجْدَرُ » ) * أي أحرى بأن لا يعلموا حدود اللَّه في الفرائض والسنن والحلال والحرام . يعني أنكم قد صرتم بالعصبيّة والاستكبار والعناد وإثارة الفتن بمنزلة الأعراب الجاهلين بما لهم وما عليهم بعد ما كنتم عارفين بذلك كلَّه . ( وبعد الموالاة أحزابا ) أي بعد الألفة والاجتماع أحزابا متعادية متشتّتة مختلفة الآراء ، أي صرتم حزبا حزبا وطائفة طائفة كلّ منكم يخالف آخرين ، وكلّ حزب بما لديهم فرحون . ( ما تتعلَّقون من الاسلام إلَّا باسمه ولا تعرفون من الايمان إلَّا رسمه ) لما جعلهم أعرابا أحزابا اتبعه بهذه الجملة ولكمال الاتّصال بينهما وصلها بسابقته وترك العاطف . والمراد أنّهم لم يأخذوا من الاسلام وأحكامه شيئا إلَّا اسمه فيسمّون باسم المسلم ، ولا يعرفون من الايمان إلَّا صورته دون ماهيّته وحقيقته ، وفي بعض النسخ لا تعقلون بدل لا تعرفون ، والمقصود واحد . ( تقولون النّار ولا العار ) كلمة جارية مجرى المثل يقولها أهل الحميّة والانفة من تحمل الضيم والذّل على نفسه أو من ينسب إليه من قومه وخاصّته استنهاضا والهابا بها إلى النضال والجدال فإذا قيلت في حقّ كان ثوابا وإذا قيلت في باطل كان خطاء . ولمّا كان غرض المخاطبين منها هو الشرّ والفساد وإثارة الفتنة المخالفة لوظايف الاسلام شبّه حالهم في أعمالهم وأقوالهم بقوله :